إخوان الصفاء

78

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

والأخرويّ هي نجاة النفس من بحر الهيولى وأسر الطبيعة ، والخروج من هاوية الأجسام ، عالم الكون والفساد ، التي تحت فلك القمر ، والفوز بالصعود إلى ملكوت السماء ، والدخول في زمر الملائكة ، والسّيحان في فضاء الأفلاك وسعة السماوات ، والتنسّم من ذلك الرّوح والريحان المذكور في القرآن الذي يقصر الوصف عنه إلّا مختصرا كما قال اللّه تعالى : « فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين » إلى آخر الآية . فصل اعلم أن بغية كل طالب في استعمال أحكام الناموس هي البلوغ إلى الحق وحكم الصواب وعمل الخير وتجنّب الزور والبهتان . واعلم أن الحق هو غاية ليست وراءها نهاية ، ولكن دونها أمور متشابهة مشكلة . واعلم أن الألفاظ محتملة للمعاني ، والأوهام تذهب في طلبها كلّ مذهب ، فينبغي لك إذا سمعت لفظة محتملة للمعاني الّا تحكم عليها حكما دون أن تبيّن بعقلك كل المعاني التي تحتملها تلك اللفظة ، لعلك تفهم الغرض الأقصى الذي هو الصواب ، وتبلغ الغاية القصوى التي هي الحق . واعلم أن غرض واضعي النواميس الإلهية بعيد الغور جدّا في أحكام النواميس ، لا يتصوّر لك في أول وهلة ، ولكن بعد النظر الشافي والبحث الشديد . ونريد أن نضرب لذلك مثلا ليكون قياسا على ما قلنا ووصفنا : ذكر في المثال أنه كان رجلان اصطحبا في طريق على سفر ، فلما انتهيا إلى شاطئ نهر قعدا للغداء ، فأخرج كل واحد زاده ، فكان مع أحدهما رغيفان ومع الآخر ثلاثة أرغفة ، فكسراها في موضع واحد ليأكلاها ؛ إذ مر بهما مجتاز ، فدعواه إلى طعامهما ، فأجاب وجلس وأكل معهما . فلما فرغوا قام ورمى بين يديهما خمسة دراهم وقال : اقسماها بينكما بالسويّة ، ومضى